فخر الدين الرازي
210
تفسير الرازي
ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله * ( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) * ( آل عمران : 119 ) ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : * ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) * ( البقرة : 14 ) الثالث : المراد به جميع أصناف الكفار والدليل عليه قوله تعالى : * ( بطانة من دونكم ) * فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * ( الممتحنة : 1 ) ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطأ منه ، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً ، فامتنع عمر من ذلك وقال : إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين ، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة ، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية ، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها . المسألة الثانية : قال أبو حاتم عن الأصمعي : بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً وبطانة ، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره ، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع ، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر ، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته ، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( لا تتخذوا بطانة ) * نكرة في سياق النفي فيفيد العموم . أما قوله * ( من دونكم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ * ( من دونكم ) * يحسن حمله على هذا الوجه كما يقال الرجل : قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا ، وهو يريد أحسنتم إلى إخواننا ، وقال تعالى : * ( ويقتلون النبيّين بغير حق ) * ( آل عمران : 21 ) أي آباؤهم فعلوا ذلك . المسألة الثانية : في قوله * ( من دونكم ) * احتمالان أحدهما : أن يكون متعلقاً بقوله * ( لا تتخذوا ) * أي لا تتخذوا من دونكم بطانة والثاني : أن يجعل وصفاً للبطانة والتقدير : بطانة كائنات من دونكم . فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخدوا من دونكم بطانة ، وبين قوله * ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) * ؟ . قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله : لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود . المسألة الثالثة : قيل * ( من ) * زائدة ، وقيل للنبيّين : لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم .